ابن عجيبة

403

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

قلت : ( بدر ) : بئر بين مكة والمدينة ، كانت لرجل اسمه بدر ، فسميت باسم صاحبها ، وقعت فيها الغزوة التي نصر اللّه فيها رسوله صلّى اللّه عليه وسلم ، فسميت الغزوة باسم المكان ، وجملة : ( وأنتم أذلة ) : حال من الكاف ، و ( أذلة ) : جمع ذليل ، كأعزة ، جمع عزيز . يقول الحق جل جلاله : وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ في وقعة بدر وَأَنْتُمْ أَذِلَّةٌ ليس معكم مراكب ولا كثرة سلاح ، مع قوة عدوكم بالعدة والعدد ، فَاتَّقُوا اللَّهَ واثبتوا مع رسوله ، وانتظروا النصر من اللّه كما عودكم ، لَعَلَّكُمْ تكونون شاكرين ، لما أنعم به عليكم من العز والنصر ، فيزيدكم منه كما وعدكم . الإشارة : جعل اللّه سبحانه وتعالى الأشياء كامنة في أضدادها ، فمن أراد العز والنصر فليتحقق بالذل والمسكنة ، ومن أراد الغنى فليتحقق بالفقر ، ومن أراد الرفعة فليتحقق بالضعة وإسقاط المنزلة ، ومن أراد القوة فليتحقق بالضعف ، وهكذا : [ تحقق بأوصافك يمدك بأوصافه ] . فاتقوا اللّه يا معشر المريدين ، واطلبوا الأشياء في أضدادها لتظفروا بها ، واشكروا اللّه على ما أولاكم يزدكم من فضله ونواله . ثم ذكر كيفية نصره لهم ببدر فقال : [ سورة آل‌عمران ( 3 ) : الآيات 124 إلى 125 ] إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ ( 124 ) بَلى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هذا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُسَوِّمِينَ ( 125 ) قلت : ( إذ ) : ظرف لنصركم ، إذا قلنا : إن الإمداد يوم بدر فقط ، أو بدل من ( إذ غدوت ) ، إذا قلنا : كان الإمداد يوم أحد بشرط الصبر ، فلما لم يصبروا لم يقع . والتسويم : التعليم . يقول الحق جل جلاله : ولقد نصركم اللّه ببدر حين كنت تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ حين رأوا كثرة عدوهم وقلة عدتهم وعددهم : أَ لَنْ يَكْفِيَكُمْ في القوة والكثرة ، أَنْ يُمِدَّكُمْ رَبُّكُمْ بِثَلاثَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ مُنْزَلِينَ في السحاب ؟ بَلى يكفيكم كما وعدكم ، إِنْ تَصْبِرُوا وتثبتوا وَتَتَّقُوا اللّه وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ أي : من سرعتهم هذا الوقت ، يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ بلا تراخ ولا تأخير ، مُسَوِّمِينَ أي : معلّمين بعمائم بيض إلا جبريل ، فإنه كانت عمامته صفراء . أو معلمين أنفسهم أو خيلهم . قيل : كانت مجزوزة الأذناب ، وقيل : كانت بلقا .